عناوين فرعية
حيث تنزف الطفولة بصمت لايسمعه أحد
طفلة تهرب من الحرب… لتقع في فخ أشد قسوة
………….
في صباح يوم من العام 2019 كانت أماني (اسم مستعار) طفلة لم تتجاوز الرابعة عشرة تخرج كعادتها لجمع قنينات الماء البلاستيكية من أزقة القرية التي نزحت إليها أسرتها في محافظة تعز إلى ريف إحدى مديريات محافظة لحج جنوب اليمن.
هربت أماني من هدير المدافع إلى هامش أكثر قسوة.. من حرب تقتل بالجملة إلى واقع يطحن بالذل والاحتياج.
فضاء بلا حماية
كانت أماني ابنة أسرة من فئة المهمشين تعيش في كوخ خشبي صغير لا سقف له يحميها من المطر ولا قانون يحميها من العابرين.
والدها عاطل عن العمل يدفعها هي وإخوتها الخمسة نحو الشوارع بحثا عن لقمة من القمامة أو بعض البلاستيك القابل للبيع.
في ذلك الصباح خرجت أماني كعادتها… لكنها لم تعد كما كانت…
في طريق خال من المارة أوقفها رجل بلباس عسكري ينتمي إلى أحد الألوية العسكرية ( النظامية التي تم تشكيلها مؤخرا بقرار رئاسي ورعاية التحالف ) سحبها بالقوة أمام أعين امرأة وحيدة كانت بالقرب من الحدث تدعى ( ن. ص. 21 عاما ) حاولت التدخل فلم تستطع انتزاع الطفلة أماني من يد المعتدي ( ع. ح.
الذي أخذ الطفلة بمركبته إلى مكان مهجور ليس فيه سوى صندقة خشبية كما تحكي أماني وهناك خطفت منها طفولتها إلى الأبد.
جسد صغير… وتهديد أكبر من العمر
بعد الاعتداء الجنسي على أماني رماها المعتدي قرب منزلها غارقة في نزيفها وخوفها تحت تهديد المعتدي إن هي تقدمت بشكوى ضده سيقتل كل أفراد عائلتها
كانت أماني تحبو نحو الكوخ الخشبي كلما نهضت سقطت وكلما بكت خنقتها المرارة…
وحين وصلت إلى باب بيتها ارتمت في حضن أمها باكية… لا تفهم إن كانت ما زالت حيّة أم أن الحياة انتهت لتوها.
الأم بدورها كانت تعرف اسم المعتدي لكنها عاجزة فهو عسكري وهم نازحون مجرد التفكير بتقديم بلاغ يعني المجازفة بحياتهم جميعا.
تقول الأم: «أماني كانت تخبرني بأنه يلاحقها لكني خفت… نحن بلا سند لا أحد يسمعنا».
الصمت… جريمة أخرى
في اليمن ترتكب مئات الانتهاكات بحق النساء والأطفال دون أن تصل أصوات الضحايا إلى العدالة.
الصمت هنا ليس ضعفا بل وسيلة بقاء فالخوف من الانتقام ومن نظرة المجتمع ومن غياب العدالة يجعل الضحية سجينة وجعها تحيا وتموت في الظل.
أماني لم تجد طبيبا ولا محاميا ولا مأوى آمنا…
لكنها وجدت خالتها التي احتضنتها في قرية أخرى وهناك بدأت رحلة العلاج النفسي جلسة بعد أخرى عبر مركز إنصاف الذي تبنى تقديم خدمة توعية وجلسات نفسية لبعض الحالات في مديرية البريقة محافظة عدن وبالمصادفة كانت أماني عند خالتها في منطقة كود قرو بمديرية البريقة وتلقت الدعم النفسي عن طريق مركز إنصاف. وحاولت أماني أن تقنع قلبها الصغير أن الحياة لا تنتهي عند أول خيانة.
الطفولة المفقودة في بلد منسي
اليمن البلد الذي كان يسمى «اليمن السعيد» صار أكثر البلدان بؤسا للأطفال.
تشير تقارير الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من 11 مليون طفل في اليمن بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية وأن كل طفل من بين عشرة يواجه خطر العنف أو الاستغلال.
كماتشير بيانات الأمم والمسوحات الدولية إلى أن العنف ضد الأطفال في مناطق النزاع وصل مستويات قياسية في السنوات الأخيرة وعلى مستوى اليمن تظهر تقارير الأمم المتخصصة أن العنف الجسيم الذي يتعرض له الأطفال — من قتل وتجنيد واعتداءات جنسية — ما زال يتزايد وأن عدد الانتهاكات الجسيمة الموثقة على الأطفال بلغ أرقاما مرتفعة في التقارير السنوية الأخيرة. ففي تقرير الأمين العام حول «الأطفال والنزاع المسلح» لعام 2024م سجلت المراقبة والتحقق عشرات الآلاف من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال على مستوى العالم مع زيادة ملحوظة في حالات العنف الجنسي التي لم يتم الت حقق منها .
أبعاد محلية أكثر خطورة
توثيق ميداني من منظمات وطنية كشف عن أبعاد محلية أكثر خطورة… تقرير مركز «إنصاف للحقوق والتنمية» الاستقصائي عن الأطفال المهمشين سجل 16 حالة اعتداء وتحرش جنسي رصدت ضمن عينته (حالات تضمنت 8 إناث تراوح عمرهن بين 7 و15 سنة و8 ذكور تراوح أعمارهم بين 5 و10 سنوات) كما وصف التقرير ظروف الفقر والتشرد ونقص الحماية التي تعرضت لها هذه الفئات….و يشير مركز إنصاف إلى أن العدد الحقيقي يرجح أن يكون أعلى من المدون لأن الضحايا كثيرا ما يمتنعون عن البلاغ خوفا من العار والانتقام.
تقرير إنصاف يفصل أنواع الانتهاكات المرصودة: اغتصاب.. تحرش جنسي.. اختطاف/تهديد وتجريد من خدمات الحماية.
إنصاف يربط انتشار الانتهاكات بضعف سلاسل الحماية المحلية وإمكانية إفلات مرتكبيها من العقاب لا سيما حين ينتسبون إلى تشكيلات مسلحة أو يتمتعون بنفوذ اجتماعي
ورغم هذه الأرقام يبقى أغلب المعتدين بلا عقاب لأن العدالة هنا مثقوبة كقلوب الضحايا.
ميثاق Justice4Yemen.
«تسليط الضوء على العنف الجنسي غير المبلغ عنه ضد الأطفال في حرب اليمن – حالات موثقة» يونيو 2024.
يتضمن توثيقات من منظمات محلية منها Watch4HR التي وثقت 13 حالة بين أبريل 2022 وديسمبر 2023 إلى جانب تحليلات حول ضعف الإبلاغ وغياب الإحصاءات الرسمية.
(التقرير الاستقصائي — SAFE II) — وثق 16 حالة اغتصاب/تحرش جنسي بين الأطفال المهمشين (تفاصيل وأنواع الأعمار).
قانون بلا تطبيق… وعدالة عمياء
ينص قانون الجرائم والعقوبات اليمني (قانون رقم 12 لسنة 1994) على تجريم الاعتداء الجنسي والاغتصاب مع مواد تحدد عقوبات متفاوتة حسب شدة الجرم والظروف (مثلا المادة ذات الصلة تتناول الاغتصاب وتحدد نطاق العقوبة المشددة إن ارتبط الاعتداء بإلحاق ضرر جسيم أو إذا كان الجاني من القائمين على رعاية الضحية).
نصوص القانون متاحة في المراجع التشريعية الرسمية. نصوص المواد ذات الصلة (للاطلاع عليها الرجوع إلى قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 (نسخة منشورة إلكترونيا تتضمن مواد مثل المادة 269 وما يتبعها).
( التحقق من النسخة الرسمية):
«تنص المادة (269) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994:
(نص يجرم الاغتصاب ويحدد العقوبات مع تشديد العقوبة إذا ارتكب الجاني الجريمة في حق قاصر أو كان له ولاية على المجني عليه)الاعتداء الجنسي على القصّر ويعاقب مرتكبه بالسجن الذي قد يصل إلى الإعدام في الحالات المشددة.
اليمن صادقت على اتفاقية حقوق الطفل (
لكن الواقع يقول: القوانين هنا تكتب بالحبر وتمحى بالخوف وتعلق في المكاتب بينما تغتصب الطفولة في الأزقة
ما جدوى قانون لم ينصف الضحايا
حتى عندما تستجمع الشجاعة على رفع شكوى يقف أمام الضحايا حاجز مادي وإجرائي فتكاليف التقاضي والسفر والرسوم القانونية قد تفوق إمكانيات الأسر المهمشة إضافة إلى افتقاد الضمانات لحماية الشهود والضحايا من الانتقام… تقارير حقوقية محلية وأممية تشير إلى أن غياب آليات الحماية الفعلية وضعف قدرة الأجهزة القضائية على التحقيق في جرائم ارتكبها أفراد مرتبطون بجهات نافذة أو تشكيلات مسلحة يزيدان من ثقافة الإفلات من العقاب ويجعل العدالة بعيدة كل البعد عن الضحايا المهمشين.
جراح لا تشفى
تلقت أماني جلسات نفسية محدودة بعد انتقالها إلى بيت خالتها في منطقة كود قرو بمديرية البريقة محافظة عدن عن طريق مركز إنصاف لكن الواقع المؤسف أن خدمات الدعم النفسي والحماية للأطفال الناجين من العنف غير متاحة على نطاق واسع في اليمن خصوصا في المناطق الريفية ومخيمات النازحين…
ربما تعيش أماني اليوم شبه استقرار نفسي لكن روحها ما زالت تسير حافية على رماد الخوف.
من يواسي طفولة اليمن؟
قصة أماني ليست استثناء بل مرآة لواقع يعانيه آلاف الأطفال في اليمن.
أطفال حرموا من المدرسة من اللعب من الرعاية من الأمن… وحتى من حقهم في الصمت الآمن.
هؤلاء لا يحتاجون شفقة بل عدالة.. لا يريدون صدقات بل كرامة.
وفي بلد يحترق منذ عقد ما زالت الطفولة أول من يلقى في النار وآخر من ينقذ منها.
وكأن الوطن نفسه تواطأ مع الحرب ليقول لهم:
أن تولد طفلا في اليمن… فذلك جرم كاف لتدان بالوجع مدى الحياة.
أماني واحدة من آلاف الأطفال اللواتي يحملن وجعا أكبر من أعمارهن…
ولا ينبغي أن تنتهي القصة بوجع فقط بل بنداء عملي واضح يتبنى تفعيل آليات المساءلة والرقابة ووضع قوائم شطب ومساءلة للأفراد المنتسبين للتشكيلات العسكرية المتورطة فتح قنوات إبلاغ آمنة ومجهولة للناجين ومن ثم إنشاء وحدات متخصصة في الشرطة للتحقيق في جرائم العنف الجنسي ضد الأطفال و زيادة تمويل برامج الحماية النفسية للأطفال والنازحين وبرامج إعادة تأهيل المنتسبين للتشكيلات المسلحة كجزء من استراتيجية شاملة لإنهاء الإفلات من العقاب هذه خطوات لا تحتاج اعتذارا بل قرارا سياسيا وإنسانيا لرد كرامة الطفولة المسروقة في اليمن
ومن جانبنا، يعمل مركز إنصاف للحقوق والتنمية بشكل مستمر على تنفيذ جلسات توعوية وحملات مجتمعية تشجع على التبليغ عن الانتهاكات وتلقي الدعم والمساندة والحماية. كما يقدم المركز دعمًا نفسيًا واجتماعيًا دائمًا لفتيات أخريات مثل أماني، إيمانًا منه بأن حماية الطفولة ليست مجرد شعار، بل التزام إنساني ومسؤولية مجتمعية.
وحرصًا على تعزيز الوصول والشفافية، فعّل المركز آلية للإبلاغ عن أي انتهاك لحقوق الأطفال عبر خط ساخن مخصص، يتيح استقبال البلاغات بسرية تامة وضمان متابعة الحالات وتقديم الدعم اللازم لها.
انتهى ….
المصادر الرئيسية كقائمة مراجع)
- تقرير إنصاف للحقوق والتنمية
2- اتفاقية “العدالة من أجل اليمن” — «حالات موثقة تسلط الضوء على العنف الجنسي ضد الأطفال غير المبلغ عنه في حرب اليمن» (يونيو 2024)
- تقرير الأمين العام عن «الأطفال والنزاع المسلح»(Annual CAAC report 2024/2025) — أرقام عالمية وإقليمية عن الانتهاكات الجسيمة للأطفال وارتفاع حالات العنف الجنسي التي تم التحقق منها.
- نص قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم 12 لسنة 1994 — للاطلاع على المواد المتعلقة بالاغتصاب والاعتداءات الجنسية (نسخ منشورة متاحة إلكترونيا).
- تقارير حكومية ودولية أخرى عن وضع حقوق الإنسان في اليمن (تقارير وزارة الخارجية الأميركية هيومن رايتس ووتش ومنظمات محلية) لدعم فقرة ضعف سلطة القانون وغياب المحاسبة.




