لم يكن المساء في عدن يشبه نفسه في ذلك اليوم من شهر مارس 2024م…كان الهواء خفيفا والشارع مألوفا وطفلة صغيرة تلامس الأرض بخطواتها الأولى…قبل أن تبتلعها فجأة يد لا تعرف الرحمة تلطخت بأبشع الصور إجراما منافيا للعرف والطبيعة الإنسانية .
في لحظة انقطع أثرها
الطفلة ملاك (اسم مستعار) طفلة العامين فقط
خرجت إلى باب البيت في أحد أحياء مديرية كريتر الآمنة لتسرح في ضوء النهار الأخير بينما كانت أختها تحاول الاحتفاظ بضحكتها الصغيرة…لكن تلك الضحكة لم تدم طويلا…
ففي لحظة غامضة انقطع أثرها من أمام الباب حين خطفها فتى بالغ وركض بها مسرعا إلى زقاق مهجور …وحينها كأن العالم يفقد نبضا كان يستند عليه في تلك الساعات … هو شاب من الجيران— تعود أصوله إلى محافظة مجاورة فالكاميرات التقطت الحقيقة: يد تحمل طفلة تبكي…وخطوات تسير نحو منطقة مهجورة خلف المباني باتجاه مكتبة “غرسان”
شهود عيان رأوه ولم يرتابوا في أمره فالمشهد مألوف ؛ طفلة تبكي في يد شاب قد يكون أخوها لكن الشر يختبئ أحيانا في أبسط مشاهد الحياة.
أم تركض وراء الفراغ
حيث لا وقت للبكاء ركضت الأم كمن فقد القدرة على الوقوف… هرعت تطرق الأبواب تفتش الوجوه تتوسل الصور في كاميرات المراقبة بحثا عن ظل يشبه طفلتها ملاك .
أما الأب—في سوق السمك صيرة—سقط الخبر عليه كحجر ضخم على صدر متعب بعناء الحياة.
لم يستوعب… لكنه تحرك
لأن الهلع لا يمنحك فرصة للفهم بل يدفعك للتحرك فقط.
أما الجاني فقد مشى وسط البحث يتظاهر بأنه جزء من البحث بعد أن أتمم جريمته
لكن الكاميرات لم تر ما رآه الناس ورصدت الحقيقة مؤخرا ليتعرف الجميع على ملامح الخاطف .
زقاق الرعب
في اليوم الثاني من الاختطاف عثر على جسد ملاك في مربع مهجور في مكان كان ينبغي أن يكون خاليا من كل شيء…
إلا من الله .
اعترف الجاني بعدما واجهوه بالأدلة … دلهم على المكان الذي خبأ فيه الجسد الصغير الممزق وقد نهشته الكلاب والقوارض وبحسب تقرير الطبيب الشرعي فإن الطفلة ملاك تعرضت للاغتصاب من الأمام والخلف ثم ماتت خنقا ليترك جسدها فريسة للكلاب والقوارض في زقاق مهجور تحول إلى قصة رعب للمدينة .
أما الجاني بحسب المحامية والناشطة الحقوقية أ. أ. فقد ادعى الجنون كما يفعل الضعفاء حين يواجهون الحقيقة لأول مرة.
محكمة مؤجلة
في مطلع شهر يونيو من العام 2024م عقدت محكمة صيرة الابتدائية جلستها الأولى للنظر في قضية مقتل الطفلة ملاك والمعروفة اعلاميا بـ “جريمة حي الروزميت” والمتهم فيها ح.ع. ص.
وترأس الجلسة فضيلة القاضي نزار محمد بن محمد علي السمان بحضور النيابة العامة ووالد الطفلة المجني عليها ومحامي أولياء الدم خالد الصلوي كما تبين حضور المتهم من محبسه فيما تغيب أقارب وذوي المتهم عن حضور الجلسة.
وفي الجلسة بدأ القاضي بسؤال المتهم عن معلوماته الشخصية فتلعثم في الإجابة وظهر عليه الذعر الشديد.
— القاضي : اسمك ؟
– المتهم : لا يرد
— القاضي : كم عمرك ؟
المتهم : مش داري.
— القاضي : فين ساكن ؟
– المتهم : كريتر.
— القاضي : معك محامي ؟
– المتهم : ايوه
— القاضي : اين محاميك ؟
– المتهم : في البيت.
— القاضي : تعرف محاميك ؟
– المتهم : لو شفته باعرفه.
وهنا أفاد محامي أولياء الدم المحكمة ان المتهم ادلى باقواله أمام النيابة بحضور والدته مقترحا إعلام والدة المتهم ومحاميه بالحضور الجلسة القادمة لتسهيل عمل المحكمة.
وعليه قررت المحكمة تأجيل مواجهة المتهم بقرار الاتهام وقائمة أدلة الاثبات الى بعد الإجازة القضائية وتحديدا الى جلسة 16 يوليو وتكليف النيابة العامة إعلام أقارب وذوي المتهم بحضور والدته ومحاميه في الجلسة القادمة.
محاولات الهروب من العدالة
بحسب المحامية أ.أ. أن أهالي الجاني الذي وجد في ملفه سوابق اعتداءات جنسية على حيوانات في محافظته يحاولون استخراج تقرير طبي من خارج عدن بقيمة ٣ ملايين ريال لإثبات “اختلال عقلي” رغم أن الفحص المحلي أثبت عكس ذلك.
والعدالة ليست عمياء هنا…
بل محاصرة.
الأسرة… في بيت لا يدخله الضوء
بحسب الناشطة الحقوقية أ.أ.لا توجد كلمات تصف حال الأم ولا وصف يناسب نظرة الأب ولا لغة تستطيع دخول قلب الأخت التي فقدت نصف عالمها ولا دعم نفسي واحد قدم لهم حتى الآن.
وهكذا هي مفارقات الحياة هناك أسر تنجو…وهناك أسر تبقى معلقة بين الحياة وصدمة لا تذوب.
الإطار القانوني – بلا تجميل
توصيف الجريمة قانونيا وفق قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم 12 لسنة 1994:الجريمة تعد قتلا عمدا (المادة 234 وما بعدها).
مقترنا باعتداء جنسي على طفلة (المادة 269).
وتشدد العقوبة بأقسى العقوبات عند وجود ظروف مشددة مثل: السن.. العنف.. الخطف (المادة 42).
أما العقوبة: الإعدام.
والقضية من أعلى درجات التجريم في القانون اليمني.
ما يقوله القانون الدولي بوضوح وفق اتفاقية حقوق الطفل (CRC) التي صادقت عليها اليمن:
تشكل الوقائع المذكورة أعلاه انتهاكًا جسيمًا لعدد من أحكام اتفاقية حقوق الطفل، التي تُعد الدولة طرفًا فيها وملزمة بتنفيذها وحماية الحقوق الواردة فيها.
فبموجب المادة (19) من الاتفاقية، تلتزم الدولة باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية اللازمة لحماية الطفل من جميع أشكال العنف الجسدي أو النفسي أو الإهمال أو سوء المعاملة. ويُعد إخفاق الدولة في منع الأفعال المرتكبة أو توفير الحماية اللازمة للطفل انتهاكًا صريحًا لهذا الالتزام.
كما تنص المادة (34) من الاتفاقية على التزام الدولة بحماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي. وتشير الوقائع إلى تعرض الطفل لانتهاكات تندرج ضمن نطاق هذا الحظر، بما يعكس تقصيرًا في اتخاذ تدابير وقائية وحمائية فعالة.
وبموجب المادة (37)، تحظر الاتفاقية تعريض أي طفل للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتشكل الأفعال الموصوفة معاملة تنتهك هذا الحظر المطلق الذي تلتزم الدولة باحترامه وضمانه.
وعليه، فإن الجريمة موضوع هذه القضية تمثل انتهاكًا مزدوجًا للحقوق الأساسية المكفولة للطفل بموجب القانون الدولي، ولا سيما الحق في الحياة والحق في الحماية من جميع أشكال العنف، وتؤسس لمسؤولية الدولة عن الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها الدولية بموجب اتفاقية حقوق الطفل.
إحصائيات أممية
على الرغم من عدم توفر إحصاءات أممية شاملة عن جميع حالات العنف الجنسي الفردية ضد الأطفال في اليمن، تُظهر بيانات التوثيق الميداني التي جمعتها منظمات حقوقية محلية في إطار برامج التوثيق مثل SAFE I وSAFE II، وشهادات الحالات المفصلة في التقارير الحقوقية، حجم الانتهاكات المقلق.
فقد وثّقت إحدى الجهات الشريكة 13 حالة عنف جنسي طالت 18 طفلًا خلال الفترة من أبريل 2022 إلى ديسمبر 2023، كما تشير تقارير أخرى إلى عشرات الحالات التي تمّ توثيقها على مدى السنوات الماضية.
ويُبرز تقرير “I’m Afraid of Scandal” دراسة معمّقة لحالات العنف والانتهاكات التي يواجهها الأطفال في سياق النزاع المسلح، ويبيّن كيف أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع الأسر أحيانًا للكتمان، مما يزيد من قلة الإبلاغ رسميًا عن هذه الجرائم رغم توثيقها من قبل منظمات حقوقية.
وتعكس هذه البيانات الميدانية نطاق العنف الجنسي ضد الأطفال في اليمن، إلى جانب ما سجله تقرير الأمم المتحدة السنوي لعام 2023 من أكثر من 3300 انتهاك جسيم بحق الأطفال.
لماذا تتكرر الجرائم؟
الجريمة لم تبدأ من الجاني وحده…بل من بيئة انهارت حول الطفل.
ووفق تحليل واقعي موجع
ثمة ضعف لسلطة القانون في بعض الأحياء وزاد عليه ارتفاع تكاليف التقاضي التي لا يستطيع الفقراء تحملها ومعها محاولات شراء تقارير “إعفاء” للمتهمين في ظل غياب رقابة على المراهقين مع انعدام برامج حماية الأطفال وغياب الخدمات النفسية في عدن تقريبا.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
تنفيذ القانون بلا وساطة ومنع التلاعب بالتقارير الطبية وفرض رقابة أمنية على المناطق المهجورة وإيجاد دعم نفسي إلزامي لأسر الضحايا وتكثيف برامج توعية مجتمعية حول حماية الأطفال وإنشاء وحدة خاصة لحماية الطفل في عدن.
والأهم من ذلك مراقبة وتقييم المراهقين المنخرطين في جماعات مسلحة وأخرى في ترويج وتعاطي المخدرات
وفي هذا السياق، قام مركز إنصاف بتوثيق هذه القضية ورفعها إلى آليات دولية معنية بحقوق الطفل، في إطار جهوده الرامية إلى لفت الانتباه الدولي للانتهاكات الواقعة، ودفع السلطات المحلية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية واتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الأطفال، وضمان المساءلة ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
اغتيال الغد
في النهاية ملاك لم تكن طفلة فقط كانت احتمالا جميلا للغد واغتيال الاحتمال هو أبشع أنواع الجرائم الإنسانية .



